4.3

نتائج الفعل في النظام الوجوديّ:

24 دقائق قراءة~4240 كلمة8 مبحثاً في هذا الفصل

من الذنب والسيئة إلى التفاعل الكونيّ

4.3.1الكون نظامٌ حيٌّ تفاعليّ: لماذا تُضاعَف الحسنة ولا تُضاعَف السيئة؟

بعد أن ميّز القرآن بين الذنب بوصفه خطأً مع المعرفة، والسيئة بوصفها خطأً مع الجهل المنهجيّ، ينتقل إلى مستوًى أعمق، ليس مستوى الحكم الأخلاقيّ وحده، بل مستوى التفاعل الوجوديّ بين الفعل الإنسانيّ والنظام الذي أقامه الله في الكون. فالقرآن لا يعرض الحسنة والسيئة أعمالًا تُسجَّل في سجلٍّ غيبيٍّ معزولٍ عن الواقع، بل أفعالًا تدخل في نسيج الوجود نفسه، وتُقابَل باستجابةٍ من النظام الكونيّ وفق سننه.

ولهذا يقرّر مبدأً لافتًا في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فالتضعيف هنا ليس مجرّد زيادةٍ عددية في الثواب، بل كشفٌ عن طبيعة الفعل المنسجم مع الوجود، إذ الحسنة، بما هي فعلٌ مطابقٌ للسنن، تدخل في نظامٍ حيٍّ تفاعليّ، فيُقبل عليها الوجود، ويُيسّر مسارها، ويُنمّي أثرها، والمضاعفة من لدن الله أثرٌ لانسجام الفعل مع سننه لا تفضّلًا منفصلًا عن طبيعته. ولهذا قال ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾، وقال ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾. والمشيئة هنا ليست اعتباطًا، بل متعلّقة بالفعل الإنسانيّ نفسه، بمدى وعيه وإتقانه وانسجامه مع قوانين الله في الخلق. فمن يُحسن التوظيف ويجتهد ويُبدع ضمن السنن يُفتح له باب التضاعف.

أمّا السيئة فلا تُضاعَف، لأن النظام الكونيّ لا يتفاعل إيجابًا مع فعلٍ يناقض بنيته، ويتجلّى عدل هذا التقابل في قوله ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، فالحسنة بعشرٍ لأنها تدخل نظامًا يُنمّيها، والسيئة بمثلها لأنها لا تجد في الوجود ما يضاعفها. فالسيئة تُعاد إلى صاحبها كما هي، لا ظلمًا، بل لأن الوجود لا يُنمّي ما لا ينسجم معه، ولا يُكافئ فعلًا يناقض قوانينه. ومن هنا يُفهم قوله ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾، إذ الحسنة ليست هبةً خارجةً عن النظام، بل نتيجة انسجامٍ مع سنن الله في الوجود، أمّا السيئة الواقعة فارتداد أثرٍ نشأ من اختيارٍ غير منسجمٍ مع هذا النظام، يرتدّ ضررًا على صاحبه، على ما تأسّس في فصل الذنب والسيئة من أن السيئة المُصيبة ثمرةُ سلوك النفس ابتداءً.

وبهذا المعنى يكون الكون حيًّا بنظمه التفاعلية: يقبل ما ينسجم معه، ويُنمّي ما يدخل في قوانينه، ويَلفِظ دون ظلمٍ ما يعاكس سننه، مصداقًا لقوله ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، إذ يلفظ الوجود الباطل الذي لا نفع فيه كما يلفظ السيل زبده، ويُبقي ما ينفع الناس لأنه المنسجم مع سننه. فلا تكون مضاعفة الحسنة امتيازًا أخلاقيًا فحسب، بل قانون وجود، ولا يكون عدم تضاعف السيئة عقوبةً إضافية، بل نتيجةً طبيعية لفعلٍ لم يجد في الوجود ما يتجاوب معه. وهكذا تنتقل الآيات من مستوى الوعظ إلى مستوى الكشف: أن الإنسان لا يتحرّك في فراغ، بل داخل نظامٍ حيٍّ يتفاعل مع فعله، ويكشف له عاجلًا أو آجلًا طبيعة اختياره.

4.3.2الإمام المبين: أين تظهر نتائج هذا التفاعل؟

إذا كان الكون نظامًا حيًّا تفاعليًا يستجيب للفعل الإنسانيّ المنسجم مع سننه بالقبول والتضاعف، فإن السؤال الذي يفرضه المنطق القرآنيّ هو أين تُرى نتائج هذا التفاعل، وأين تنكشف حصيلة انسجام الإنسان أو تنافره مع النظام الوجوديّ. ويجيب القرآن بمفهومٍ محوريٍّ بالغ العمق في قوله ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾. فليس الإمام المبين في هذا السياق سجلًا غيبيًا مؤجّلًا للآخرة فحسب، ولا دفترَ حسابٍ منفصلًا عن الواقع، بل واجهةٌ كاشفة تظهر فيها آثار التفاعل بين الفعل الإنسانيّ وسنن الوجود، على ما تأسّس في فصل الكتاب المبين والإمام المبين.

ويؤكّد هذا المعنى نصٌّ يربط بين الفعل والانكشاف والنتيجة دون وسائط غيبية منفصلة عن الواقع، في قوله ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾. فالسعي هنا ليس نيةً مجرّدة ولا رغبةً داخلية، بل فعلٌ أُدخِل في نظام الوجود. وكون السعي «يُرى» يعني أنه ينكشف في الواقع، ويظهر أثره أمام الإنسان، فردًا كان أو مجتمعًا، في صورة مسارٍ حياتيّ، أو نتيجةٍ عملية، أو نمطٍ وجوديٍّ متكرّر. وهذا الانكشاف هو بعينه وظيفة الإمام المبين: ليس أن يُخزّن الأفعال في سجلٍّ مغلق، بل أن يُظهر نتائجها وفق السنن، فيرى الإنسان أمامه حصيلة ما قدّمه للوجود، لا ما تمنّاه ولا ما ادّعاه.

وبذلك يصير الإمام المبين موضع الرؤية التي وعدت بها الآية: رؤية السعي بعد أن تفاعل مع النظام الكونيّ، ورؤية العدل في كونه لا يُنسب إلى الإنسان إلا ما سعى به فعلًا. فالإحصاء هنا ليس عدًّا رقميًا، بل ضبطٌ سننيّ: كل فعلٍ يدخل النظام، ويُعاد إنتاجه أثرًا، ويظهر أمام الإنسان نتيجةً واقعية يمكن إدراكها في مسار الحياة. وبهذا المعنى يصير الإمام المبين مرآةً للارتداد الوجوديّ: ما يزرعه الإنسان في نظام السنن يراه ماثلًا أمامه في صورة واقعٍ أو مسارٍ أو نمط حياةٍ فرديٍّ أو حضاريّ.

ولهذا لا يقول القرآن «سنُخبره لاحقًا»، بل يقرّر أن كل شيءٍ مُحصًى ومكشوف، أي أن نتائج الفعل ليست غائبة، بل حاضرة في بنية الواقع ذاته، وإن غفل الإنسان عن قراءتها. ومن هنا يتّسق هذا المفهوم مع قوله ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، أي من انسجامك مع سننه، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾، أي من اختيارك مسارًا لا يتوافق مع هذا النظام. فالإمام المبين ليس سببًا مستقلًا، بل موضع الانكشاف الذي يرى فيه الإنسان، فردًا أو مجتمعًا، حصيلة تفاعله مع الوجود. وكما تُظهر الأسواق نتائج قرارات المتعاملين فورًا أو تراكمًا، وكما تعكس البيئة آثار تعامل الإنسان معها خصوبةً أو تصحّرًا، كذلك يعكس الإمام المبين نتائج الأفعال الإنسانية في صورة واقعٍ معاش، لا يحتاج إلى تأويلٍ غيبيٍّ معقّد، بل إلى وعيٍ بقراءة السنن.

ومن هنا يُفهم لماذا لا يُظلم الإنسان في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، لأن ما يراه أمامه ليس حكمًا اعتباطيًا، بل ارتدادًا دقيقًا لفعلٍ أُدخِل في نظامٍ منضبط. وبذلك لا يعود الإمام المبين مفهومًا تجريديًا، بل البنية التي تُظهر عدل النظام الوجوديّ: كل فعلٍ له أثر، وكل انسجامٍ له تضخيم، وكل تنافرٍ له حدٌّ لا يتجاوزه. ومن هذا الموضع ينفتح السؤال التالي ضرورةً لا خيارًا: إذا كانت النتائج تظهر بهذه الدقة، فما طبيعة الفعل نفسه؟ وبأيّ لغةٍ يخاطب الإنسان الوجود؟

4.3.3الكتاب المبين: نظام الحركة الوجودية الذي تنتظم فيه الأفعال والنتائج

يقول تعالى ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. وتلفت هذه الآية النظر إلى حقيقةٍ لافتة، إذ لا تفصل بين فعل الإنسان وحركة الوجود، بل تجمعهما في سياقٍ واحد، وكأنها تتحدّث عن نظامٍ واحدٍ يشمل الطرفين معًا. فهي تبدأ بالفعل الإنسانيّ ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ... وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾، ثم تنتقل إلى مستوًى كونيٍّ شامل ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾، لتختم بالإطار الجامع ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.

وهذا الجمع ليس عَرَضيًا، بل مقصودٌ لبيان أن الفعل الإنسانيّ ليس خارج النظام الكونيّ ولا طارئًا عليه، بل واقعٌ داخله، خاضعٌ لنفس منطق الضبط والانتظام الذي تخضع له الذرّة والمجرّة. ومعنى الشهود في قوله ﴿كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ لا يدلّ على مراقبةٍ غائية مؤجّلة، بل على حضورٍ سننيٍّ حيٍّ يلازم الفعل الإنسانيّ أثناء وقوعه، حضورٍ يجعل الفعل جزءًا من شبكةٍ وجودية متفاعلة، تشهد الحركة وتُنتج أثرها في آنٍ واحد. ولهذا لم يقل النصّ «لا يعزب عن الله»، بل قال ﴿عَن رَّبِّكَ﴾، لأن الربوبية مقام التدبير الجاري في الوجود ومجال عمل السنن، لا مقام الذات المتعالية عن الكون، على ما تأسّس من التمييز بين مقامَي الألوهية والربوبية.

وأمّا قوله ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ فلا يُراد به سجلٌّ غيبيٌّ للأرشفة، بل نظام حركةٍ محكم. فالكتاب في أصله اللغويّ الجمع والربط والانتظام، وكونه مبينًا يعني أن آثاره قابلة للظهور والقراءة في الواقع، لا محجوبة عن الوعي. وبذلك يكون الكتاب المبين حركة الوجود نفسها: تتابع الأسباب والنتائج، وتوالي الأدوار والمراحل، حيث كل حركةٍ تُمهّد لما بعدها، ولا تقع واقعةٌ خارج هذا النسق. ومن هنا يُفهم قوله ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾، أي أن كل شيءٍ في الوجود مُدرَجٌ داخل هذا النظام الجامع، مضبوطٌ غير متروكٍ للفوضى، لا بمعنى العدّ الرقميّ، بل بمعنى الإحاطة والضبط والسننية. فالوجود كتابٌ لأنه مقروءٌ في قوانينه، ومبينٌ لأن نتائجه تُرى لمن تدبّر.

وعند هذا المستوى تتجلّى صلة الآية بقوله ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾، فالسعي لا يُرى لأنه يُعرض لاحقًا فحسب، بل لأنه يتحوّل إلى واقعٍ داخل نفس الكتاب الذي تحرّك فيه. يرى الإنسان أثر فعله لأنه يتحرّك في نظامٍ حيٍّ يعكس إليه نتائج تفاعله، كما واجه الوجود بفعله. وبذلك لا يكون الإمام المبين شاشةً غيبية منفصلة عن الحياة، بل واجهة الوجود ذاته، حيث تظهر حصيلة التفاعل الإنسانيّ مع السنن، ويواجه الإنسان ما زرع، لا قهرًا، بل وفق قانونٍ محكمٍ لا يحابي ولا يظلم.

4.3.4الفعل الإنسانيّ: لغة التفاعل مع الوجود

إذا كان الكون نظامًا حيًّا محكومًا بالسنن، وكانت نتائج التفاعل الإنسانيّ تظهر في الإمام المبين ضمن كتابٍ مبينٍ منضبط، فإن السؤال الحاسم يصبح: بأيّ وسيلةٍ يتفاعل الإنسان مع هذا الوجود؟ والجواب القرآنيّ والوجوديّ معًا هو بالفعل لا بالفكرة المجرّدة. فالكون مادةٌ منظّمة وحركةٌ وطاقةٌ ونُظمٌ فيزيائية متشابكة، ولا يمكن التفاعل معه أو التأثير فيه إلا عبر أفعالٍ من جنسه، مستخرَجةٍ من قوانينه، منسجمةٍ مع بنيته. ولهذا لا يتجاوب الوجود مع التمنّي، ولا مع التصوّر الذهنيّ المنفصل عن الواقع، ولا مع أفعالٍ متخيَّلةٍ لا أصل لها في السنن، كما لا يمكن الطيران بعصا سحرية، ولا تجاوز الزمن بالرغبة، ولا تغيير المادة دون فهم خصائصها.

فالفعل الإنسانيّ الفاعل ليس اختراعًا ذهنيًا حرًّا، بل اكتشافٌ وتوظيف: اكتشافٌ لقوانين الوجود، وتوظيفٌ واعٍ لها في الواقع. ومن هنا تتجلّى مشيئة الإنسان الحقيقية، لا في أن يتوهّم أفعالًا لا وجود لها، بل في أن يختار أن يتعلّم ويفهم ويستخرج من الوجود أفعاله الممكنة ثم يُحسن توظيفها. فمن أراد أن يطير لم يخترع الطيران من الخيال، بل درس قوانين الهواء والحركة والكتلة ثم صاغ أفعاله وفقها. ومن أراد أن يسبق الزمن لم يقفز فوقه، بل فهمه وقاسه وبنى أدواته داخله. وهكذا كل حضارةٍ لم تنهض بالتمنّي، بل بالفعل الموافق للسنن، مصداقًا لقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، فالتغيّر مشروطٌ بفعلٍ يبدأ من النفس، لا بأمنيةٍ تُرتجى دون عمل.

وبذلك تكون الأفعال الإنسانية لغة الوجود المشتركة، فالإنسان يخاطب الكون بالفعل، والكون يردّ عليه بالنتيجة. فإن كان الفعل منسجمًا مع السنن تجاوب الوجود وقَبِل الفعل وضاعف أثره، وإن كان مناقضًا لبنيته لم يتفاعل الوجود معه وردّه إلى صاحبه محدودًا أو عقيمًا. ومن هنا يُفهم أن الأفعال ليست خروجًا على الوجود، ولا ابتكارًا حرًّا بمعزلٍ عنه، بل تجلّي الوعي الإنسانيّ داخل الوجود. أمّا التمنّي المنفصل عن الفعل فغرورٌ لا يدخل نظام السنن، كما قال في وعد الشيطان ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ويتجلّى مآل هذا الغرور يوم القيامة في قوله ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، فالأمانيّ التي غرّتهم لم تكن فعلًا يدخل نظام الوجود، بل وهمًا انكشف خواؤه حين جاء أمر الله. ولهذا لا يُحاسَب الإنسان في منطق القرآن على ما تمنّى ولا على ما تخيّل، بل على ما سعى به فعلًا، لأن السعي وحده هو ما يدخل نظام السنن، وهو وحده ما يُرى أثره، وهو وحده ما يتكشّف في الإمام والكتاب المبينين.

ويجدر التنبيه قبل الانتقال إلى تحليل النتائج والميزان إلى أن القرآن يميّز بدقّة بين الفعل بوصفه وحدة التفاعل المباشر مع الوجود، والعمل بوصفه الحصيلة المتراكمة لمسارٍ من الأفعال. وهذا التمييز ليس لغويًا محضًا، بل له أثرٌ حاسمٌ في فهم العلم الإلهيّ والمشيئة الإنسانية وإمكان التوبة والتصحيح، وهو ما يُفصَّل في الأقسام التالية.

4.3.5التوبة والفعل وكشف المسار: لماذا لا يكون الإصلاح إلا بعد ظهور الأثر؟

إذا كانت الأفعال هي لغة التفاعل بين الإنسان والوجود، وكانت نتائج هذا التفاعل تظهر في الإمام المبين بوصفه واجهةً لكشف الأثر، فإن السؤال الحاسم يصبح: كيف يعود الإنسان عن المسار الخاطئ؟ وكيف يُتاح له تصحيح فعله بعد أن يرى ارتداد اختياره في الواقع؟ وهنا يأتي المفصل القرآنيّ الدقيق في قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فهذه الآية لا تتحدّث عن توبةٍ معزولة عن الواقع، ولا عن عفوٍ يقع قبل انكشاف الفعل، بل عن مسارٍ سلوكيٍّ كامل يبدأ بالفعل، ثم بظهور أثره، ثم بالاعتبار، ثم بتغيير الاتجاه.

فلو لم تظهر نتائج الأفعال السيئة في الواقع، ولو لم يكن هناك إمامٌ مبينٌ يكشف للإنسان حصيلة ما فعل، لما أمكن الاعتبار أصلًا، ولا أمكن إدراك الخطأ، ولا كان للتوبة معنًى عمليّ. فالتوبة في منطق القرآن ليست كلمةً تُقال، ولا ندمًا ذهنيًا مجرّدًا، بل تحوّلًا فعليًا في المسار بعد انكشاف النتائج. ولهذا خُتمت الآية بقوله ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ لا «ما تقولون»، لأن العلم هنا علمٌ بالفعل الداخل في النظام، لا بالادّعاء. وبهذا المعنى يكون الإمام المبين رحمةً لا إدانة، إذ يكشف الخطأ ليُصلَح، ولا يفضح الفعل إلا ليُغَيَّر.

ومن هنا تُفهم الشدّة القرآنية في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. فهذا المقت ليس لأن القول سيئٌ في ذاته، بل لأن القول المنفصل عن الفعل دعوًى لا تدخل النظام، ولا يتفاعل معها الوجود، ولا تُنتج أثرًا. فالكون بسننه لا يتجاوب مع الألفاظ المنفصلة عن العمل، إذ هو مخلوقٌ من مخلوقات الله يتفاعل مع نظامه المكوَّن لا مع القول المجرّد، وإنما يتعامل مع الأفعال الواقعة التي لها وزنٌ في الواقع، المستخرَجة من قوانينه نفسها. وليس في هذا نفيٌ لأثر الدعاء، فالدعاء محلّه الله لا الكون، وهو مستجابٌ لمن اتّقى، أمّا القول الأجوف المنفصل عن السعي فلا أثر له في نظام الوجود. ولهذا لا تكون كرامة الإنسان ولا رفاهيته بالقول دون فعل، ولا بالتمائم، ولا بتلاوةٍ لا تتحوّل إلى وعيٍ وسلوك، فالرقية بلا طبٍّ لا تشفي جسدًا، والتسبيح اللفظيّ وحده لا ينهض أمةً ولا يبني حضارة.

وهذا ما يكشفه قوله ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. فالآية لا تُدين الظنّ بوصفه فكرة، بل تُدين الفعل الظنّيّ، الفعل الذي يزعم أصحابه أنه يحاكي الوجود، وهو في الحقيقة غير مستمدٍّ من سننه ولا من فهمه، بل من جهلٍ أو خرافة، كمن يطلب الرفعة وهو ساكنٌ لا يسعى، أو يظنّ أن حفظ النصّ دون فهمه يمنحه أثرًا وجوديًا، أو يتوقّع نتائج واقعية من أفعالٍ لا علاقة لها بالواقع. وهنا تتجلّى الحقيقة الحاسمة: أن القرآن لم يُنزَّل ليُستبدَل به الفعل، بل ليُنتج فعلًا، ولم يُنزَّل ليُتلى فقط، بل ليُتدبَّر ثم يُعمَل بمقتضاه. ولهذا يُعاد التأكيد ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، لأن موضع الوزن ومحلّ التفاعل وميدان السنن هو الفعل لا القول.

4.3.6الفعل والعمل في الخطاب القرآنيّ: لماذا «عليمٌ بما تعملون» لا «يعلم ما تعملون»؟

وحتى لا يُساء فهم ما سبق، ولا يُحمَل على معنًى قد يُغلق المشيئة أو يُحوّل السنن إلى جبرٍ لغويّ، كان لا بدّ من ضبطٍ دقيق يبيّن كيف يتعامل الخطاب القرآنيّ مع الفعل والعمل علمًا وحسابًا. فيلفت النظر تكرار وصف علم الله بأعمال البشر بصيغٍ مخصوصة، من قبيل ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ و﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾ و﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. واللافت ليس المعنى العامّ، بل البنية اللغوية نفسها، فالقرآن لا يقول «الله يعلم ما تعملون»، ولا «الله يُخبر ما تعملون»، بل يختار الصيغة الاسمية الوصفية: عليمٌ، خبيرٌ، بصيرٌ، شهيدٌ، محيطٌ، غير غافل، مقترنةً بحرف الجرّ «الباء» الدالّ على الملابسة والإحاطة. وهذا الاختيار ليس أسلوبيًا محضًا، بل دقيقٌ وظيفيًا.

فالفرق بين «يعلم» و«عليم» أن الفعل «يعلم» يدلّ على تعلّقٍ مباشرٍ بحدثٍ متحقّقٍ واقع، أمّا الصفة «عليم» فوصفُ إحاطةٍ دائمة لا تُغلق الفعل على نتيجةٍ بوصفها مشهدًا جاهزًا. فقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يثبت الإحاطة بمسار العمل وهو يتكوّن، لا بوصفه حصيلةً مغلقةً مفروغًا منها.

والفرق بين الفعل والعمل لا يقف عند كون الفعل مفردًا والعمل متراكبًا، بل يمتدّ إلى طبيعة كلٍّ منهما. فالفعل موجودٌ في الوجود ابتداءً، والإنسان يختاره من بين الأفعال الممكنة المتاحة له، فهو ينتقيه ولا يخترعه، على ما تقدّم من أن الفعل اكتشافٌ وتوظيفٌ لقوانين الوجود. أمّا العمل فالإنسان يبنيه بنفسه، يؤلّفه من اختياراته المتعاقبة بين الأفعال الموجودة، فيكون مسارًا من صنعه، إذ الفعل موجودٌ في كل حياة الإنسان، وكلّ حركةٍ تترك أثرًا يُجمَع على العمل.

ولأن العمل مسارٌ مؤلَّف، فهو يحوي أفعالًا مختلطةً بين صالحةٍ وغير صالحة، فإذا رجحت الصالحات على غيرها أُلبِس العمل وصف الصلاح. ولهذا قال تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا خَوْفَ عَلَيْهِ﴾ ولم يقل «من فعل صالحًا»، لأن الحكم واقعٌ على حصيلة المسار لا على الفعل المفرد. وكذلك قوله ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فجعل الوراثة على حصيلة العمل المتراكب لا على فعلٍ واحد.

ومن هنا كان الفعل معلومًا محدّدًا، فكلّ آيةٍ تتضمّنه تأتي به معيَّنًا، إمّا بوصفٍ يخصّصه وإمّا بإشارةٍ إلى محدّدٍ سابق، لأنه وحدةٌ بيّنة المعالم. فمن مجيئه موصوفًا قوله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ حيث الفاحشة فعلٌ معيَّن. ومن مجيئه مشارًا إليه قوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ وقوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فـ«ذلك» في الموضعين عائدٌ على فعلٍ سبق تحديده. فالفعل في هذه المواضع كلّها معيَّنٌ محدّد على تنوّع صيغه. أمّا العمل فلا يُحدَّد بهذا التعيين، لأن مضمونه أفعالٌ متعدّدة متنوّعة من مسار سلوك صاحبه، فلا يُعرَف إلا بوصفه الجامع، كصالحٍ أو سيّئ، لا بتحديدٍ جزئيّ.

على أن الفيصل في هذا التمييز ليس لفظ «الفعل» و«العمل» في ذاته، بل طبيعة المتعلَّق: أهو واقعٌ متحقّق فيناسبه «يعلم» الدالّ على العلم بالواقع، أم مفتوحٌ محتمَلٌ لم يقع بعد فيناسبه «عليم» الدالّ على الإحاطة بالممكن. والفعل غالبًا متحقّقٌ فيلازمه «يعلم»، والعمل غالبًا ممتدٌّ مفتوحٌ فيلازمه «عليم»، لكن متى جاء الفعل نفسه مفتوحًا محتمَلًا لم يقع لازمته الصيغة الاسمية، كما في قوله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، فالفعل هنا معلَّقٌ على شرطٍ لم يقع، فناسبه «عليم» لأنه إحاطةٌ بفعلٍ ممكنٍ لا علمٌ بواقعٍ تحقّق. ويقابله قوله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ في موضعٍ آخر، حيث ناسب السياقُ صيغةَ الفعل. فالمدار على التحقّق والاحتمال، لا على مجرّد اللفظ.

وليس المراد بهذا أن الله لا يعلم المستقبل، فذلك قولٌ ضعيفٌ منكَر، بل المراد بيان طبيعة هذا العلم: فالله يعلم المستقبل علمَ إحاطةٍ بتفاعل الاحتمالات والمآلات، لا علمَ مشهدٍ مُعادٍ جاهزٍ مبنيٍّ سلفًا. فهو يعلم مصير الإنسان من ماضيه وحاضره، أي من خلال مساره، مع إبقاء الباب مواربًا للنجاة أو الخسران، إذ المسار مرنٌ لا جبرٌ محض. فلو كان المستقبل مشهدًا جاهزًا مبنيًّا لكنّا في دائرة مشهدٍ مُعادٍ لا في واقعٍ معاش، ولا يوجد مستقبلٌ مبنيٌّ حاضرٌ يُنتظر وقوعه، بل احتمالاتٌ لا تُحصى يحيط الله بها جميعًا ويعلم أيّها يؤول إليه فعل الإنسان، دون أن يُكره الإنسان على واحدٍ منها. وهذا هو معنى ما تأسّس في فصل الغيب من أن علم الله بالمستقبل معرفةٌ تفاعلية لا صورةٌ ساكنة. فمجيء الصيغة الاسمية «عليم» يثبت الإحاطة بالمسار المفتوح، حفظًا لانفتاح المشيئة في وعي الإنسان، ومنعًا لأن يتحوّل العلم الإلهيّ في إدراكه إلى قدرٍ مُغلِقٍ يسلبه فعله.

ويؤكّد هذا التفريق أن القرآن حين يستعمل صيغة «يعلم» يقيّدها بمجالٍ متحقّقٍ واقع، لا بمآلٍ لم يتكوّن بعد، كما في تكرار قوله ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، فالنصّ يربط العلم بما بين الأيدي، أي الحاضر القائم، وما خلفهم، أي ما انقضى وتحقّق، ولا يذكر في هذا الموضع «ما سيكون» من أفعال الإنسان بوصفه مشهدًا محتومًا. وهذا ضبطٌ مقصودٌ لمجال المسؤولية، إذ يبقى المسار مفتوحًا فيكون الهلاك أو النجاة عن بيّنة، مصداقًا لقوله ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.

ويتّسق مع هذا أن حرف الجرّ «الباء» في ﴿عَلِيمٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يفيد الملاصقة والمرافقة لا الانفصال، فهو علمٌ ملازمٌ لمسار العمل أثناء تكوّنه لا علمٌ خارجيٌّ صادرٌ بعد اكتماله، وهو ما يؤكّده وصفه ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾، إذ الشهادة حضورٌ أثناء الفعل لا إخبارٌ لاحق، وقوله ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، أي أن مسار العمل لا يخرج عن دائرة الإحاطة السننية. وعلى العكس من ذلك، حين يتعلّق الخطاب بفعلٍ متحقّقٍ واقع، يأتي التعبير بصيغة الفعل الصريح، لأن الفعل المتحقّق وحدةٌ محدّدةٌ لها بدايةٌ ونهاية، يمكن إدراكها وتعيينها، فتصلح أن تكون محلّ علمٍ مباشر، أمّا العمل فمجموع أفعالٍ قد يتغيّر مساره وقد يُصلَح في منتصف الطريق، فلا يُنسب إليه «يعلم» بصيغة الحسم، بل «عليمٌ به» بصيغة الإحاطة المفتوحة.

ويتأكّد هذا الضبط بأن صيغة «عليم» نفسها تَرِد فيما هو أدقّ من العمل الظاهر، كقوله ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، فالعقل المفكّر منتجٌ للأفكار لا ساكن، والله عليمٌ به، أي محيطٌ بما يمكن أن يُنتجه على مبدأ الاحتمالات نفسه، لأنه خبيرٌ عليم، أي عالمٌ بالماضي والحاضر وما ينفذ عنهما من احتمالاتٍ للمستقبل. وفي مقابل ذلك جاء قوله ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بصيغة «يعلم»، لأن الحديث فيها عن أمرٍ واقعٍ بالفعل، مُسَرٍّ أو مُعلَن، وكلاهما شرطه الوقوع، فناسبه العلم المباشر بالحاضر المتحقّق. فاطّرد التمييز على معيار التحقّق والاحتمال: «يعلم» للواقع المتحقّق ماضيًا أو حاضرًا، و«عليم» للإحاطة بالمفتوح المحتمل.

وبهذا التفريق الدقيق يحفظ القرآن أمرين معًا دون تناقض: علم الله الكامل المحيط بكل ما يجري وما يمكن أن يجري، ومشيئة الإنسان المفتوحة التي لا تُغلق قبل اكتمال الفعل والعمل. فالله يعلم الأفعال المتحقّقة عند وقوعها، ويحيط بمسار الأعمال واحتمالاتها دون أن يجعلها في وعي الإنسان قدرًا محتومًا يسلبه اختياره. فالفرق بين «يعلم» و«عليم» ليس فرقًا بلاغيًا، بل فرقٌ وجوديّ: فالمتحقّق يُعلَم لوقوعه، أمّا المفتوح المحتمل فيُحاط به لمساره، حفظًا لانفتاح المشيئة، ومنعًا لتحويل العلم الإلهيّ في وعي الإنسان إلى قدرٍ مُغلِقٍ لمسارٍ لم يُنشأ بعد بالفعل.

4.3.7العمل الصالح واستقامة المسار

لم يربط القرآن الإيمان بالعمل الحسن، بل بالعمل الصالح، لأن الحُسن وصفٌ لجودة الفعل، أمّا الصلاح فوصفٌ لاستقامة المسار. فالحسنة قد تكون لحظيةً جزئية، بينما الصالحات أعمالٌ متراكبة تُقيم النظام وتمنع الفساد وتصلح للبقاء. ولهذا تُضاعَف الحسنة بوصفها تفاعلًا منسجمًا، لكن لا يُعتدّ بالعمل إلا إذا كان صالحًا في بنيته، مستقيمًا في أثره، قابلًا للاستمرار داخل السنن. فالإيمان يضبط الوجهة، والصلاح يضبط المسار، والحُسن ثمرة هذا التوافق الوجوديّ.

ولمّا كان الصلاح وصفاً لاستقامة المسار، حَسُن أن يُستجلى تعريفه من النصّ نفسه لا من تأمّلٍ مجرّد، فالقرآن يكشف معناه باستقراء مواضع الجذر. فأصل الصلاح ما يُصلِح في الأرض، نقيضاً للإفساد، يكشفه قوله ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ، فجُعل الإصلاح والإفساد ضدّين، والعمل الصالح ما كان في جهة الإصلاح يُقيم صلاح الأرض ولا يُفسد فيها. ويتفرّع من هذا الأصل أنّ الصالح ما يبقى وينفع، يكشفه قوله ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17]، فما طابق سنن الإصلاح نفع فمكث، وما صادمها كان زبداً يذهب جُفاءً، فالنافع الماكث من جنس الصالح المُصلِح، والذاهب جُفاءً من جنس الفاسد المُفسِد. ويتأكّد هذا في أهلية الوراثة، إذ جعل الله وراثة الأرض للصالحين ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، فالصالحون أهلٌ لوراثتها لأنّهم أهل إصلاحها لا إفسادها، والبقاء في الأرض لمن طابق سننها بالإصلاح.

﴿الأعراف: 56

وفوق هذا الأصل الجامع صنفٌ أخصّ هو «الباقيات الصالحات» في قوله ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ، فقيّد وصفُ «الباقيات» العملَ الصالح بقيدٍ زائد على أصله، إذ ليست كلّ صالحةٍ باقيةً بهذا المعنى، بل الباقيات صنفٌ متميّز هو ما يدوم أثره ويتنامى ولو زال صاحبه، من أفعال الخير التي يمتدّ نفعها بعد فاعلها فلا يزول بزواله. فالصلاح في أصله ما يُصلِح في الأرض وينفع فيها، والباقيات الصالحات أرفع صنوفه، ما تنامى أثره ودام نفعه بعد صاحبه.

﴿الكهف: 46

ومن اقتران هذه الشواهد يتقرّر الحدّ الجامع للعمل الصالح، أنّه العمل المطابق لسنن الإصلاح في الأرض، الذي يُصلِح ولا يُفسد، وينفع فيمكث، نقيض الإفساد الذي يُهلك فيذهب جُفاءً. فالعمل الصالح بهذا ليس قيمةً أخلاقية مجرّدة فحسب، بل مسارٌ يحاكي سنن الوجود فيصلح ويبقى وينمو، والفساد مسارٌ يصادمها فيهلك ويذهب. وهذا يلتئم مع ما تأسّس من أنّ النصّ والكون لا يتناقضان، فالعمل الصالح ما طابق سنن الإصلاح فأثمر بقاءً ونماءً، كما أنّ هلاك الأمم نتيجةٌ حتمية لمصادمة تلك السنن كما تأسّس في فصل السبع المثاني (3.3.1.10)، فالسنن واحدةٌ لا تحابي، تُبقي من طابقها بالإصلاح وتُفني من صادمها بالإفساد.

4.3.8خلاصة جامعة: الإنسان بين الفعل والسنن والمشيئة المفتوحة

يُفضي هذا البحث في مجموع فصوله إلى إعادة بناء الصورة القرآنية للإنسان والتكليف والعدل الإلهيّ، بعيدًا عن القراءة التجزيئية أو الجبرية التي فصلت النصّ عن الوجود، وحوّلت الخطاب القرآنيّ من نظامٍ كاشفٍ للسنن إلى منظومة أوامرَ وعقوباتٍ منفصلةٍ عن الواقع. فقد تبيّن أن القرآن لا يعالج الخطأ الإنسانيّ بوصفه درجةً واحدة، بل يميّز تمييزًا وجوديًا دقيقًا بين الذنب والسيئة: فالذنب خطأٌ يقع مع المعرفة ويستدعي توبةً سلوكية مباشرة، أمّا السيئة فانحرافٌ منهجيٌّ يقع مع الجهل، لا يُعالَج باللوم، بل بالبيان والهدى وتصحيح الفهم. ومن هذا التمييز ينبثق فهمٌ أعمق لطبيعة العدل الإلهيّ، إذ لا يقوم على العقوبة المجرّدة، بل على سننٍ تضبط العلاقة بين الفعل والنتيجة، فلا يُحاسَب الإنسان إلا على ما عَلِم، ولا يُطالَب بتصحيح ما لم يكن يملك ميزانه المعرفيّ بعد.

كما كشف البحث أن القرآن لا يتعامل مع الحسنة والسيئة قِيَمًا أخلاقيةً مجرّدةً تُسجَّل في سجلٍّ غيبيٍّ منفصلٍ عن الواقع، بل أفعالًا تدخل في نظام الوجود نفسه. فالحسنة تُضاعَف لا لأنها مجرّد طاعة، بل لأنها فعلٌ منسجمٌ مع السنن يقبله الوجود ويُنمّي أثره، أمّا السيئة فلا تُضاعَف لأنها فعلٌ يناقض بنية النظام، فلا يجد في الوجود ما يتجاوب معه. وبذلك يظهر أن الكون ليس مسرحًا صامتًا للأفعال، بل نظامٌ حيٌّ من حيث التفاعل، يقبل ما ينسجم معه، ويعيد إلى الإنسان أثر ما أدخله فيه، دون ظلمٍ ولا محاباة.

وفي هذا السياق يتجلّى مفهوم الإمام المبين لا بوصفه سجلًا غيبيًا مؤجّلًا فحسب، بل موضع انكشاف نتائج التفاعل الإنسانيّ مع السنن، حيث يرى الإنسان سعيه ماثلًا أمامه في صورة واقعٍ أو مسارٍ أو نمط حياةٍ فرديٍّ أو حضاريّ، مصداقًا لقوله ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾. ويتكامل هذا مع مفهوم الكتاب المبين بوصفه نظام الحركة الكونية ذاته، أي تتابع الأسباب والنتائج وترابط المراحل والأدوار، حيث لا تقع حركةٌ، من فعل الإنسان إلى حركة الذرّة، خارج نسقٍ محكمٍ قابلٍ للقراءة لمن ألقى السمع أو فعّل وعيه. فالكتاب ليس أرشفةً، بل انتظامًا، وليس غيبًا مغلقًا، بل بنيةً ظاهرة الآثار.

وعند هذا الحدّ كان لا بدّ من ضبطٍ لغويٍّ دقيق يبيّن أن القرآن لا يتعامل مع العمل كما يتعامل مع الفعل، فالفعل وحدةٌ محدّدةٌ تُعلَم عند وقوعها، أمّا العمل فمسارٌ ممتدٌّ يتكوّن من أفعالٍ متراكبة، ويظلّ مفتوحًا على التصحيح والتوبة والمراجعة. ولهذا لم يقل القرآن «يعلم ما تعملون»، بل قال ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، مثبتًا الإحاطة بالمسار واحتمالاته دون أن يجعله في وعي الإنسان قدرًا محتومًا، فعلم الله بالمستقبل علمُ إحاطةٍ بتفاعل الاحتمالات لا علمُ مشهدٍ جاهزٍ مبنيٍّ سلفًا. ومن هنا يتّضح أن التوبة ليست لحظةً لفظية، بل إمكانيةٌ وجودية مشروطة بالزمن والمسار، إذ لا تنفع عند انقطاع القدرة على تعديل ميزان العمل، لأنها لا تُغيّر الماضي، بل تُعيد توجيه المستقبل ما دام مفتوحًا بالفعل.

وتتكشّف في ضوء ذلك حقيقةٌ مركزية: أن القرآن لا يبني المسؤولية على النيات المجرّدة، ولا على الأقوال، ولا على التمنّي، بل على الفعل المنسجم مع السنن. ولهذا كان مقت القول بلا فعل، وكان الظنّ غير المغني عن الحقّ، وكان العلم مرتبطًا بما يُفعل لا بما يُدّعى. وبهذا كلّه يُعاد تعريف التكليف القرآنيّ بوصفه دعوةً إلى الفعل الواعي داخل نظام الوجود، لا إلى الامتثال الأعمى، ويُعاد تعريف العدل الإلهيّ بوصفه سننيةً دقيقة تُري الإنسان أثر اختياره، لا حكمًا اعتباطيًا مفروضًا من خارج الواقع، ويُعاد تعريف الإيمان بوصفه انخراطًا معرفيًا وعمليًا في قوانين الخلق، لا حالةً شعورية منفصلة عن الفعل. فالقرآن لا يُحاسب الإنسان لأنه أخطأ فحسب، بل لأنه رأى ثم اختار، ولا يُنجيه لأنه قال، بل لأنه فعل، ولا يُضاعف الحسنة تفضّلًا مجرّدًا، بل لأن الوجود نفسه يتفاعل مع من انسجم مع سننه. وبذلك يظهر القرآن في جوهر خطابه كتابَ هدايةٍ وجودية، آياتُه في السطور انعكاسٌ لآياته في الآفاق، ودينُه دينُ نظامٍ حيّ، لا دينُ جبرٍ ولا دينُ شعائرَ معزولةٍ عن الواقع.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «نتائج الفعل في النظام الوجوديّ:»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث