3.z

خاتمة الباب الثالث

2 دقائق قراءة~405 كلمة0 مبحثاً في هذا الفصل

بَلَغَ البابُ غايتَه التي انطَلَقَ إليها: أَن يَستَبين الإنسانُ في منظومة الوجود كياناً ووعياً ومعرفةً ومآلاً، استقراءً من النصّ لا إسقاطاً عَليه. وقد تَكَشَّفَ ـ في مَجموع فُصوله ـ أَن الإنسانَ ليس بَدَناً تَنحَلّ فيه النَّفسُ، ولا مَجموعَ وَظائفَ بَيولوجية، بَل كيانٌ مُرَكَّبٌ تَتَمَحوَر فيه نَفسٌ معرفيةٌ واعيةٌ مَنسوبةٌ إلى الله، يُدرَج في الجَسد زَوجِها التَّكويني، ويُلقى إليه عَبر الرُّوح ما يَملأ وعاءَه من معرفة.

فالنَّفسُ ـ في حَصاد الفصل الأَوَّل ـ خاصَّةٌ بالإنسان دون سائر الكائنات، تَخرُج إلى عالَم الشَّهادة فارغةً فتَكتَسِب باجتهادها، وتَتَجَلّى أَمّارةً أَو لَوّامةً أَو مُطمَئنَّةً بحَسَب ما يُملَأ من وعائها، ثُمَّ تُتَوَفّى لتُحاسَب على كَسبها. والرُّوحُ ليست كياناً مُوازياً لها، بَل معنىً معرفيٌّ مُدرَجٌ فيها، مَساراتُه إلهيةٌ للتشريع والتوحيد، وربوبيةٌ للكونيات والتدبير. وبهذا التَّمييز انفَصَلَ ما الْتَبَسَ في التداوُل العامّ بَين النَّفس والرُّوح، وبَين الإنسان وما يُشارِكه الحَيّزَ من نَوعيات.

وامتَدَّ النظرُ من الكيان إلى ما يَتَلَقّاه: فالقرآنُ نظامٌ معرفيٌّ كونيٌّ متشابهٌ مَنسوبٌ إلى رَبّ العالمين، والكتابُ رسالةٌ تشريعيةٌ مَنسوبةٌ إلى الله بصفات الأَزلية والثبات، والفُرقانُ فصلٌ بَين الحَقّ والباطل يَتَنَزَّل على مراتب. وقد جَرى ذلك كلُّه على قاعدة «صفة الآية صفة مصدرها» ـ فما كان وجودياً كونياً فربوبيٌّ مرن، وما كان تشريعياً قيمياً فإلهيٌّ ثابت ـ والمعيارُ طبيعةُ المضمون لا الفاعلُ اللفظي. ثُمَّ تَبَيَّنَ نظامُ الوعي تَدَرّجاً متماسكاً: من المعرفة الخام، إلى تَقليب القَلب، إلى رَبط العَقل، إلى تَنقية التَّفَكّر، إلى فِقه الواقع، إلى يَقين الفؤاد ـ منظومةٌ مترابطةٌ لا أَلفاظٌ مترادفة.

وعند سؤال الخَلق والاستخلاف تَكَشَّفَ التَّمييزُ بَين البَشَر امتداداً أَحيائياً متَدَرّجاً من الماء والطين، والإنسانِ المُستَخلَف الذي فَصَلَته نفخةُ الوعي عمّا سِواه، فاصطُفِيَ آدمُ خليفةً من بَين موجودين، وتَأَسَّسَ فيه الوعيُ الذي تَراكَمَ في ذُرّيته حَتى بَلَغَ مَرتبةَ المُخاطَبة والشهادة على المُدَبّر. وبهذا انضَبَطَت حركةُ الإنسان في الوجود: يَجري فِعلُه بَين الإذن الذي يَضبِط الحَدَثَ بالنظام، والمشيئة التي تَبدأ من العِلم فتَكون مَساراً مُوازياً للنور المُتَنَزّل؛ ويَنتَظِم وجودُه كلُّه في تسبيحٍ شاملٍ يَجري بالحركة الغريزية المنضبطة أَو بالحركة الواعية المختارة؛ ويَتَوَزَّع بَين مستقرٍّ في الحَيّز الزمكاني، ومستودَعٍ عند الله تُستَرَدّ إليه النَّفسُ بالتوفّي خارجَ منطق الزمان.

وبهذا يَتِمّ تصوُّرُ الإنسان كياناً يَنفُذ في أَطوار الوجود، واعياً يَكتَسِب ويُحاسَب، مَوكولاً إلى مآلٍ يَتَجاوَز الحَيّزَ الذي خَرَجَ منه. وإذا كان البابُ الأَوَّل قد أَسَّسَ الذاتَ ومقامَ تدبيرها، والثاني منظومةَ الرحمن في الخلق والأمر، فقد أَسَّسَ هذا البابُ الكائنَ المُخاطَبَ بهما. وما استَقَرَّ هنا من بنيةٍ للإنسان والوعي والمعرفة والمآل يُمَهّد لما يَلي ـ حَيث يَنتَقِل النظرُ من الكَينونة إلى الفِعل والقِيمة والمصير الوجودي، قائماً على هذا الأَساس الذي تَحَرَّرَ من النصّ، لا من سِواه.

الباب الرابع

ميزان الفعل الإنسانيّ

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «خاتمة الباب الثالث»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث